الأربعاء، 25 مارس 2015

لماذا يُعدّ العالم الحديث خطرًا على دماغك؟

 لماذا يُعدّ العالم الحديث خطرًا على دماغك؟
بقلم : دانيال ج. ليفيتين
ترجمة : رحاب علي
رابط المصدر من هنا

في عصرِ البريد الإلكترونيّ، والرسائل النصيّة، الفيسبوك، والتويتر نجد أننا جميعًا مُطالبون بالقيام بالعديد من الأشياء في وقتٍ واحد. لكنّ تعدد هذه المهام بشكل مستمر له ضريبته. عالم الأعصاب دانيال ج. ليفيتين يبيّن لنافي هذا المقال كيف أنّ إدماننا للتكنولوجيا يجعلنا أقلّ كفاءة.

دانيال ج. ليفيتان : "عندما تُحاول التركيز على مهمّة ما، يمكن لبريد إلكترونيّ غير مقروء في صندوق الواردات الخاصّ بك أن يقلل من فاعلية معدل ذكائك بنسبة 10 نقاط.
أدمغتنا أكثر إنشغالًا عن أيّ وقتٍ مضى، فالوقائع والأخبار الزائفة والشائعات تهاجمنا وتتظاهر جميعها بأنّها معلومات. فتصبح عملية مرهقة للغاية محاولة انتقاء ما  نحتاج إلى معرفته من ما يمكننا تجاهله. وفي الوقت نفسه جميعنا نبذل جهودًا أكثر من السابق. مثلا قبل ثلاثين عامًا كان وكلاء السفر يقومون بحجوزات شركات الطيران والسكك الحديدية بدلا عنا. ايضا كان مندوبوا المبيعايساعدوننا في العثور على ما نبحث عنه في المحلات التجارية، كما كان متخصصو الطباعة وآفراد السكرتارية يقوموا بمساعدة اصحاب الوقت الضيق في مراسلاتهم. آما الآن فنحن نقوم  بمعظم هذه الأشياء بأنفسنا. نحن نقوم بعمل عشر أشخاص مختلفين بينما نحاول مجاراة حيواتنا، أطفالنا وأولياء أمورنا، أصدقائنا ومهننا، هواياتنا وبرامجنا التلفزيونية المفضلة، كل في الوقت ذاته.
أصبحت هواتفنا الذكيّة مثل سكّين الجيش السويسري متعدد الاستعمالات، فنجدها تشمل قاموسا وآلةً حاسبة ومتصفحًا للإنترنت وبريدًا إلكترونيًا وألعابًا، و تقويمًا للمواعيد ومُسجلًا صوتيًا، غيتارًا ومتنبئًا للأرصاد الجويّة، ونظامًا محددًا لموقعنا الجغرافيّ وبرنامجا للسائل النصية بالآضافة الى برامج التويتر والفيسبوك ومصباحًا يدويًا أيضًا.
إنّها أكثر قوة وتقوم بإنجاز أكبر مما كان يقوم به اكثر اجهزة الحاسوب  تقدمًا في مقرّ شركة IBM  منذ ثلاثين عامًا. بل و نستخدمها  طوال الوقت،فآصبحت جزء من هوس القرن الحادي والعشرين الذي يعتمد على حشر كل ما نقوم بعمله خلال اليوم في آي دقيقة فراغ لدينا. فنحن نقوم بالمراسلات النصيّة بينما نمشي في الشارع، و نتفقد البريد الإلكتروني بينما نقف في صفّ انتظار، وأيضًا بينما نتناول الغداء مع الأصدقاء حيث نتحقق خلسة لنعرف ما يفعله أصدقائنا الآخرون. بل ونكتب قوائم تسوقنا في هواتفنا الذكية على طاولة المطبخ ، في منازلنا حيث الراحة والآمان، اثناء الاستماع إلى تلك البودكاست (podcast) الرائعة عن تربية النحل في المناطق الحضريّة. (1)
لكن هناك سم في العسل!  بالرغم من أننا نعتقد أننا نقوم بالعديد من الأشياء في وقتٍ واحد، فتعدد المهام وهم قويّ وشيطانيّ. إيرل ميلر ـ عالم أعصاب في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وأحد خبراء العالم في انقسام الاهتمامات ـ يقول أن أدمغتنا  "غير مجهزة لتعدد المهام بشكل تام... فعندما يظن الناس أنهم يقومون بعدة مهام في آنٍ واحد هم في الحقيقة ينتقلون من مهمة إلى أخرى بسرعة كبيرة. وفي كل مرة يقومون بذلك فهنالك تكلفة إدراكية يتكبدونها من جراء هذا". اذن فنحن في الحقيقة لا نحتفظ بالكثير من الكرات في الهواء كبهلوانيّ محترف، بل نحن أشبه بهاوٍ سيء يديرُ الألواح في الهواء، فتجدنا نتحول بشكل محموم من مهمة واحدة إلى أخرى متجاهلين تلك التي ليست أمامنا ، قلقون من ان تنهار في أي لحظة. بالرغم من أننا نعتقد أننا ننجز الكثير، الا ان تعدد المهام يجعلنا أقلّ كفاءة بشكلٍ واضح و ياللسخرية!

لقد وُجد أن تعدد المهام يزيد إنتاج هرموون الإجهاد (الكورتيزول) كما أنه يكافح هرمون الأدرينالين، والذي يمكن أن يحفزّ الدماغ بشكل مفرط مسببا ضبابًا ذهنيًا أو تفكيرًا مشوشًا.
تعدد المهام يخلق إدمانًا لحلقة ردود الفعل بسبب هرمون الدوبامين، الذي يكافآ الدماغ لفقدانه التركيز ولبحثه المستمرّ عن مؤثر خارجيّ. ولجعل الأمور أكثر سوءًا فإن قشرة الفصّ الجبهي لديها نزعة إبداعية، وهذا يعني أن اهتمامها يمكن أن يُخطف بسهولة لشيء جديد - كالأشياء اللامعة الّتي نستخدمها لإغراء الأطفال الرضع، الجراء، والقطط-.

والمفارقة هنا واضحة جدا بالنسبة لأولئك من بيننا الذين يحاولون التركيز وسط الأنشطة التنافسيّة، فمنطقة الدماغ الّتي نحتاج للإعتماد عليها للبقاء على المهمّة يُمكن أن يُشتت تركيزها بسهولة. نحن نقوم بالرد على الهاتف، نبحث عن شيءٍ ما على شبكة الانترنت، نتفقدّ بريدنا الإلكترونيّ، نقوم بإرسال رسالة نصيّة قصيرة، وكلٌ من هذه الأشياء تعدل مساعي الابتداع، ومساعي المكافأة في مراكز الدماغ، مما يسبب إنفجار المواد الأفيونية بشكل ذاتي (فلا عجب بأنّها تُشعرنا بمشاعر جيّدة) وكلها على حساب بقائنا على مهمّة واحدة. في نهاية المطاف فذلك أشبه بتقديم حلوى خالية من السعرات الحرارية للدماغ، بدلًا من جني المكافآت الكبيرة الّتي تأتي نتيجةً لجهود مستدامة ومُركّزة، فبدلًا من ذلك نحن نجني مكافآت فارغة بإكمال آلاف من المهام المغلّفة بالسكر.

في الأيّام الخوالي، إذا رنّ جرسُ الهاتف وكنّا منشغلين كنّا لا نجيب عليه أو نُطفئ صوت الرنين. فحين كانت  آسلاك الهواتف كلها متصلة بالجدران لم يكن هناك أي توقعات لإمكانية وصول الآخرين إلينا في كل وقت -فقد يخرج المرء للتنزّه سيرًا على الأقدام أو يتنقل بين الأماكن - لذلك إذا لم يتمكن شخصٌ من الوصول إليك (أو أنك لم تشعر بالرغبة في التواصل مع الآخرين) فقد كان ذلك يُعد أمرًا طبيعيًا. آما الآن يملك المزيد من الناس هواتف محمولة أكثر مما يملكون المراحيض. وقد خلق هذا توقعًا ضمنيًا بأنّه يجب أن تستطيع الوصول لأي شخص حين يكون ذلك مناسبا لك انت، بغضّ النظر عما إذا كان ذلك مناسبا له.

هذا التوقع راسخ بدرجة كبيرة حتّى أنّ الناس في الاجتماعات الروتينية يجيبون على هواتفهم ليقولوا "أنا متأسف، لا أستطيع التحدث الآن فأنا في اجتماع" قبل عقد أو عقدين فقط، أولئك الأشخاص أنفسهم كانوا يتركون خطوط هواتفهم الأرضيّة دون إجابة خلال الاجتماع، فقد كانت توقعات القدرة على التواصل مختلفة جدًا.

مجرد وجود فرصة لتعدد المهام يدمر الأداء الإدراكي.  جلين ويلسون،  أستاذ زائر سابق في علم النفس بكلية جريشام، لندن، يُسمي هئه الظاهرة الهوس المعلوماتي (infomania).
اكتشف في بحثه أنّ التواجد في حالٍ تحاول فيها التركيز على مهمّة ما، بينما ثمة بريد إلكترونيّ غير مقروء في الصندوق الوارد الخاصّ بك يمكن أن يقلل من فاعلية معدل ذكائك بنسبة 10 نقاط.

وبالرغم من أن الكثير من الناس يعزون العديد من الفوائد للماريجوانا، من ضمنها تعزيزُ الإبداع وتخفيض الألم والإجهاد،الا ان الكانابينول(Cannabino)- او المكون الرئيسي للماريجوانا قد تم توثيقه على انه ينشط مُستقبلات الكانابينول المخصصة في الدماغ ويتدخلّ بعمق في الذاكرة وفي قدرتنا على التركيز على عدة أمور في وقتٍ واحد.

كما اظهر ويلسون أن الخسائر الإدراكيّة نتيجة تعدد المهام أكبر من الخسائر الإدراكيّة الّتي يسببها تدخين المخدرات.

روس بولدراك ـ عالم أعصاب في جامعة ستانفورد، وجد أن تعلّم المعلوماتٍ أثناء أداء العديد من المهام يسببّ ذهاب المعلومات الجديدة إلى جزء خاطئ في الدماغ.
فإذا كان الطلاب يشاهدون التلفاز ويدرسون في آنٍ واحد على سبيل المثال، فإنّ المعلومات من واجبهم الدراسيّ تذهبُ إلى المخطط وهي منطقة مخصصة لتخزين الإجراءات والمهارات الجديدة وليست لتخزين الحقائق والأفكار
.
دون التشتيت الذي يسببه التلفاز تذهب المعلومات إلى الحصين، حيث يتمّ تنظيمها وتصنيفها إلى مجموعات بطرق متنوّعة مما يجعل إستردادها يسيرًا.
ويضيف إيرل ميلر من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا : "الناس لا تستطيع أن تؤدي عدّة مهام في وقت واحد بشكل جيد للغاية، وعندما يقولون أنهم يستطيعون فعل ذلك فإنهم يخدعون أنفسهم" واتضح أن الدماغ ماهر جدًا في هذه العمليات الخادعة.

مطالبة الدماغ بتحويل الإنتباه من نشاط إلى آخر يسببّ حرق الجلوكوز المؤكسد لقشرة الفصّ الجبهي والمخطط، وهو نفس الوقود الذي تحتاجه للبقاء على المهمة. تصوير "Alamy"

بالإضافة أنّ هنالك التكاليف الأيضية الّتي كتبت عنها في وقتٍ سابق، فمُطالبة الدماغ بتحويل الإنتباه من نشاط إلى آخر يسببّ حرق الجلوكوز المؤكسد لقشرة الفصّ الجبهي والمخطط، وهو نفس الوقود الذي تحتاجه للبقاء على المهمة.


وهذا النوع السريع من التحويل المستمر الذي نقوم به بين المهام المتعددة يتسبب في حرق وقود الدماغ بسرعة كبيرة حيث نشعر بالإنهاك والتشويش حتى بعد مرور وقتٍ قصير. فقد نضب -حرفيًا- المورد المغذيّ لأدمغتنا.
وهذا يؤدي إلى حلّ وسط بين كلّ من الأداء الإدراكيّ والجسديّ. من بين أمور أخرى فالتحويل المتكرر ما بين المهامّ يؤدي إلى القلق، مما يثير مستويات الإجهاد (الكورتيزول) في الدماغ، والذي بدوره يمكن أن يؤدي إلى السلوك العدوانيّ والتسرع.
وعلى النقيض من ذلك، فالبقاء على المهمّة يتم السيطرة عليه من قِبل القشرة الحزامية الأمامية والمخطط، وحالما ننخرط في الوضع التنفيذي بتركيز، فإنّ البقاء في تلك الحالة يستهلك قدرًا أقلّ من الطاقة الّتي يستهلكها تعدد المهام، كما أنه يقللّ من حاجة الدماغ للجلوكوز.

والآسواء من ذلك ان الكثير من عمليات تعدد المهام في وقتٍ واحد يتطلّب اتخاذّ القراركمثلا: هل أجيب على هذه الرسالة النصيّة أم أتجاهلها؟ كيف يمكنني الردّ على هذا؟ كيف يمكنني حفظ هذآ البريد الالكتروني في ملف؟ هل اكمل ما أنا أعمل عليه الآن أم أخذ قسطا من الراحة؟ ويتبين أنّ اتخاذ القرار صعبٌ جدًا على مواردك العصبيّة ايضا، وأنّ اتخاذ القرارات الصغيرة يستهلك طاقةً بقدر ما تستهلكه القرارات الكبيرة.
واحدة من أوّل الأشياء الّتي نفقدها هو السيطرة على الانفعالات، التي تتحول الي حالة خمول فتجعلنا نتخذ العديد من القرارات الخاطئة في امور مهمة بعد كثرة التفكير في القرارات الصغيرة و الاقل اهمية. لماذا يريد أي شخص أن يضيف إلى حمله الثقيل من المعلومات اليومية التي يجب عليه استيعابها بمحاولته أداء العديد من المهام في وقتٍ واحد؟
اثناء نقاش مسائلة تزاحم المعلومات مع 500 من القادة وكبار العلماء والكُتّاب والطلاب وأصحاب المشاريع الصغيرة، يظهر البريد الإلكتروني كمشكلة تتكرر مرارًا وتكرارًا، لكنه ليس اعتراضًا فلسفيًا على البريد الإلكترونيّ في حدّ ذاته، بل على الأرقام المهولة من الرسائل الواردة.
حين سُئل ابن زميلي عالم الأعصاب جيف موجيل ،رئيس مختبر علم الآلام الوراثية في جامعة ماجيل، والذي يبلغ العاشرة من عمره عن وظيفة والده، فقد أجاب: "يجيب على رسائل البريد الإلكترونيّ" واعترف جيف بعد بعض التفكير أنّ هذا ليس بعيدًا عن الحقيقة.
العاملون في الحكومة وفي الفنون وفي الصناعة يقولون أنّ الحجم الهائل من رسائل البريد الإلكترونيّ الّتي يتلقونها يغمرهم حتى انه يستقطع جزءًا كبيرًا من يومهم. نحن نشعر اننا  مرغمون على إجابة رسائل البريد الإلكترونيّ، ولكن يبدو من المستحيل القيام بذلك وإنجاز أمور أخرى في آنٍ واحد.
قبل البريد الإلكتروني، إن أردت أن تكتب لشخصٍ ما فقد كان عليك أن تستثمر بعض الجهد في ذلك، فكنت تستخدم القلم والورق أو الآلة الكاتبة وتؤلف كلمات الرسالة بعناية. لم يكن لدينا تلك البيئة التي تسمح لنا بخط الملاحظات السريعة دون سابق تفكير، وذلك بسبب الطقوس المحيطة وقتها والوقت الذي كانت تستغرقه كتابة مذكرة والعثور على عنوان للظرف وإضافة طابع بريديّ وأخذ الخطاب لصندوق البريد. و لأنّ مجرد كتابة مذكرة أو رسالة لشخصٍ ما تستغرق كل هذه الخطوات، وقد انتشرت عبر الزمن، فلم نكن نتكبّد كل هذا العناء إلا إذا كان لدينا شيءٌ مهما بالفعل نريد قوله.

على الصعيد الاخر، فانه بسبب السرعة التي توفرها رسائل البريد الإلكترونيّ  فمعظمنا لا يفكّر كثيرا عند كتابة ما يخطر بباله وعند ضغط  زرّ الإلرسال. كما ان البريد الإلكترونيّ لا يكلّف شيئًا في النهاية.


بالطبع هنالك المال الذي دفعته لشراء حاسوبك وللإتصال بالإنترنت، ولكن ليس هنالك أية تكاليف إضافية لإرسال بريدٍ إلكترونيّ آخر. قارن هذا مع الرسائل الورقيّة، كلّ واحد تكبّد ثمن المغلّف والطوابع البريدية، وبرغم أنّ هذا لا يكلّف الكثير من المال فكمية هذه الادوات، فإن نفدت لديك فقد كان عليك أن تذهب في رحلة خاصّة إلى المكتبة ومكتب البريد لشراء المزيد، لذلك فقد كنت تستخدمهم بحذر.

ان سهولة إرسال رسائل البريد الإلكتروني أدت إلى تغيّر السلوكيات،كالميل إلى أن نكون أقلّ تهذيبًا فيما نريد طلبه من الآخرين. العديد من المهنيين يروون قصصًا متماثلة،حيث قال أحدهم: "هناك نسبة كبيرة من رسائل البريد الإلكترونيّ الّتي أتلقاها من أناس بالكاد أعرفهم يطلبون مني أن أقوم بفعل شيء مما هو خارج نطاق عملي أو علاقتي بهم لأجلهم. البريد الإكترونيّ بطريقة أو بأخرى يجعل طلبهم هذه الأشياء منّي امرا عاديًا فيما لن يطلبوها منّي عبر الهاتف أو بشكلّ شخصيّ أو في البريد العاديّ".

هناك أيضًا اختلافات هامّة بين البريد العاديّ والبريد الإلكترونيّ على الطرف المتلقيّ.
في الأيام الخوالي، البريد الوحيد الذي كنا نتلقاه كان يأتي مرّة واحدة في اليوم، الامر الذي نجح في تخصيص جزء من يومك لجمع فحوى صندوق البريد وترتيبه. الأهمّ من ذلك أنّه، لم يكن هنالك أي توقّع بأنّك كنت ستتفاعل معه على الفور حيث انه كان يستغرق بضعة أيّام ليصل اليك.

وإذا كنت منخرطًا في نشاطٍ آخر، فقد كنت ببساطة تترك البريد في الصندوق أو تضعه على المكتب حتى تكون على استعداد للتعامل معه. أما الآن فرسائل البريد الإلكترونيّ تصل بشكلٍ مستمرّ، ومعظمهاّ تُطالبك باتخاذ ردّة فعل: اضغط على هذا الزرّ لرؤية فيديو لطفل الباندا، أو قم بالإجابة على هذه الاستبيان لزميل في عملك، أو ضع خطة لتناول الغداء مع صديق، أو قم بحذف هذا البريد الإلكترونيّ لأنه بريدٌ مؤذي. كلّ هذا النشاط يعطينا شعورًا بالإنجاز، وفي بعض الحالات فهو كذلك فعلًا. ولكننا نضحيّ بالكفاءة والتركيز العميق عندما نقاطع الأنشطة الّتي تحتلّ أولوياتنا برسائل البريد الإلكترونيّ.

حتّى وقتٍ قريب، كانت لكل واحدة من وسائط الاتصال العديدة والمختلفة أهمّيتها وصلتها وغرضها. فإذا تواصل معك شخصٌ تحبه عبر قصيدة أو أغنية حتّى قبل ظهور الرسالة المعنية كنت تملك سببًا كافيًا لتفترض شيئًا حول طبيعة المحتوى وقيمته العاطفية. اما
إذا قام ذات الشخص بالتواصل بواسطة خطاب استدعاء يُسلّم بواسطة ضابطٍ من المحكمة، كنت ستتوقع رسالة مختلفة قبل حتى أن تقرأ الوثيقة. وبالمثل فقد كانت المكالمات الهاتفية تستخدم عادة للقيام بآعمال تختلف عن تلك التي تقوم بها البرقيات أو الرسائل التجارية. اذن فقد كان الوسط المستخدم هو خير دليل على الرسالة المراد تبليغها.  كلّ هذا تغيّر مع ظهور البريد الإلكترونيّ، وهذا واحد من سلبياته الّتي يُغضّ الطرف عنها لأنه أصبح يستخدم في كلّ شيء.

في الأيام الخوالي كنت تقوم بفرز بريدك العاديّ إلى مجموعتين: الرسائل الشخصيّة والفواتير. وكذلك إن كنت مدير لشركة بجدول أعمال مُزدحم فقد تقوم بفرز رسائل الهاتف للحصول على ردود لإتصالاتك.

لكن رسائل البريد الإلكترونيّ تستخدم لجميع الرسائل في حياتنا. ونحن مضطرون للتحققّ من بريدنا الإلكترونيّ باستمرار لأننا لا نعرف إن كانت الرسالة التالية ستكون للتسلية أو بشأن فاتورة تأخرت في سدادها، قائمة مهامّ جديدة أو استعلام حول شيءٍ ما، شيء يمكنك القيام به الآن أو في وقت لاحق، شيء قد يغيّر حياتك، أو شيء لا علاقة لك به.

هذا الغموض من شأنه أن يُدمّر سرعة نظام التصنيف في إدراكنا الحسيّ، كما أنه يسبب الإجهاد ويؤدي إلى الإفراط في اتخاذ القرارات. فكلّ بريد إلكترونيّ يُطالبك باتخاذ قرار! فتجد نفسك تتسآل: "هل يتوجبّ علي الرد عليه؟ إذا كان يتوجب عليّ ذلك فهل أفعله الآن أم في وقتٍ لاحق؟ ما مدى أهمية ذلك؟ وماذا ستكون العواقب الاجتماعية والاقتصادية أو المتعلقة بالعمل إن لم أجب عليه، أو إن لم اجب عليه الآن؟"
لأنّها مُقتصرة على الحروف، فالرسائل النصيّة تعيق مناقشة ومُدارسة أيّ مستوى من التفاصيل، كما أنها تُفاقم مشكلات الإدمان بسبب طبيعتها الفورية المُفرطة. الصورة بواسطة: Alamy

نجد الآن بالطبع أن البريد الإلكترونيّ يقترب من أن يُصبح وسيلة آيلةً للزوال. معظم الناس تحت سنّ الثلاثين يعتبرون البريد الإلكترونيّ وسيلة قديمة للتواصل يستخدمها كبار السنّ فقط. وبدلًا عنها فهم يقومون بتبادل الراساىل النصية ، والبعض لايزال يستخدم الفيسبوك. يُرفقون الوثائق والصور والفيديوهات وروابط لرسائلهم النصيّة و منشوراتهم عالفيسبوك تماما كما يستخدم الأشخاص فوق سن الثلاثين البريد الإلكترونيّ. العديد من الأشخاص تحت سنّ العشرين يعتبرون أن الفيسبوك هو وسيلة للجيل الأكبر سنًا.
بالنسبة إليهم أصبحت المراسلات النصيّة الان هي الوسيلة الأساسية للإتصال. فهي توفرّ خصوصيّة لا توفرها المكالمات الهاتفيّة، وسرعة لا تحصل عليها من البريد الالكتروني. حتى ان الخطوط الساخنة بدآت تتلقى مكالمات من الشباب المعرضين للخطر عن طريق الرسائل النصيّة وهو ما يتيح ميزتين كبيرتين: يستطيعون بذلك التعامل مع أكثر من شخص في وقت واحد، كما أنهم يتمكنون من تمرير المحادثة إلى خبير إذا لزم الأمر دون مقاطعة المُحادثة.

لكن الرسائل النصيّة تُعاني من معظم مشاكل البريد الإلكترونيّ. لأنها محدودة بالأحرف فهي تعيق مناقشة ومُدارسة أيّ مستوى من التفاصيل، كما أنها تُفاقم مشكلات الإدمان بسبب طبيعتها الفورية المُفرطة. تستغرق رسائل البريد الإلكترونيّ بعض الوقت لتصل إلينا عبر الإنترنت كما أنّها تتطلب منك اتخاذ خطوة لفتحها. أما بالنسبة للرسائل النصيّة فإنها تظهر بشكلٍ سحريّ على شاشة هاتفك وتتطلب منك اهتمامًا فوريًا بها. أضف إلى ذلك أن هنالك توقعًا اجتماعيًا يعتبر أنّ الرسالة الّتي لا يُردّ عليها تُعد إهانة للمرسل.
 فبذلك تكون قد حصلت على وصفة للإدمان: تتلقى رسالة نصيّة، وهذا ينشطّ مراكز الإبداع لديك. تقوم بالردّ عليها وتشعر بالإنجاز لأنّه انتهيت من المهمّة (على الرغم أنّ تلك المهمّة كانت مجهولة بالنسبة لك تماما قبل 15 ثانية مضت).
 كلٌ من تلك الرسائل تضخ جرعة من الدوبامين (dopamine) لديك كما أنّ جهازك الطرفيّ يصرخ "المزيد! المزيد! أعطني المزيد!"

في تجربة شهيرة، قام زميلاي في ماكجيل بيتر ميلنر و جيمس أولدز وكلاهما عالما أعصاب بوضع قطب صغير في أدمغة فئران المختبر، بداخل هيكل صغير بالجهاز الطرفي يُسمّى النواة المتكئة، هذا الهيكل يقوم بتنظيم إنتاج الدوبامين وهو تلك المنطقة الّتي "تضيء" عندما يفوز المقامرون بالرهان، وعندما يتعاطى المدمنون الكوكايين، أو عند نشوة الجماع، يُطلق عليها أولدز وميلنر مسمى مركز المتعة.

هناك رافعة موجودة في القفص سمحت للفئران أن يبعثوا إشارات كهربائية صغيرة مباشرة إلى النواة المتكئة لديهم، هل تظنّ أن الأمر أعجبهم؟ هذا ماقد حدث حقًا! لقد أحبوا ما حدث لدرجة أنهم لم يفعلوا شيئًا آخر سوى ذلك. نسوا كلّ شيء يتعلّق بالأكل والنوم. وحتى بعد فترة طويلة من شعورهم بالجوع، قاموا بتجاهل الطعام اللذيذ كلما كانت لديهم فرصة للضغط على قضيب الكروم، بل أنهم ايضا تجاهلوا فرصة ممارسة الجنس. لقد قام الفئران بالضغط على الذراع مرة بعد أخرى، حتى ماتوا من الجوع والإرهاق. هل يذكركم هذا بشيء ما؟
تُوفيّ رجلٌ يبلغ الثلاثين من العمر في مدينة قوانغشتو في الصين بعد أن قام بلعب ألعاب الفيديو بشكلٍ مستمرّ لمدة ثلاثة أيّام، وتُوفيّ رجلٌ آخر في دايجو بكوريا بعد أن لعب ألعاب الفيديو بشكلٍ مستمرّ لمدة 50 ساعة تقريبًا، توقفّ فقط عندما أصيب بالسكتة القلبية.

في كلّ مرة نقوم فيها بإرسال رسالة بالبريد الإلكترونيّ بشكلٍ أو بآخر فإننا نكتسب شعورًا بالإنجاز، والدماغ يحصل على وجبة غنيّة بالهرمونات المكافأة لتخبرنا بأننا أنجزنا شيئًا ما. في كلّ مرة نقوم فيها بتفقد التحديثات في التويتر أو الفيسبوك نُصادف امرا جديدا ونشعر اكثر بإلارتباطٍ الاجتماعي ( بشكل غريب وغير شخصيّ عبر الإنترنت) ونحصل على وجبة أخرى من الهرمونات المكافآة.

ولكن تذكّر إنّه  الجزء الساذج من العقل الذي يبحث عن كل ما هو جديد هو الذي يقود الجهاز الطرفي لتحريك هذا الشعور بالمتعة، وليست المراكز المسئولة عن التخطيط والجدولة و عمليات التفكير العليا في قشرة الفص الجبهي. تآكد تماما ان تفقد البريد الإكتروني و الفيسبوك والتويتر يسببون إدمانًا عصبيًا.

© كتبه دانيال ج. ليفيتين. مُستخرج من كتاب "العقل المنظم: التفكير المستقيم في عصر المعلومات الزائدة. نُشر بواسطة فايكنغ.


(1)البودكاست هو ملف صوتي رقمي متاح للتحميل من الانترنت على أي جهاز.




الخميس، 19 مارس 2015

عندما يخفق الأطفال دراسيا : كيف تعلم ابنك التعامل مع الفشل؟


عندما يخفق الأطفال دراسيا : كيف تعلم ابنك التعامل مع الفشل؟
بقلم: كارمن ريس
ترجمة: نيفين سند
رابط المقال الانجليزي من هنا


العجز المكتسب هو اعتقادنا أن  سلوكنا لا يؤثر على مجريات الأمور ؛أي أن سلوكياتنا لا تتحكم في النتائج). فعلى سبيل المثال ، حينما تعتقد الطالبة أنها مسئولة عن نتيجتها فيمكن أن تفكر قائلة "إذا ذاكرت بجد لهذا الامتحان، سأحصل على درجة جيدة."  بينما على العكس يفكر الطالب ذو العجز المكتسب قائلا"لا جدوى من المذاكرة بجد لهذا الامتحان، فدوما سأحصل على درجة سيئة".
يرتبط العجز المكتسب فى المدرسة بالدرجات السيئة وتدنى التحصيل الدراسى كما يرتبط بالمشاكل السلوكية. فنجد أن الطلاب الذى يعانون من تكرار الفشل الدراسى أكثر عرضة لنمط العجز المكتسب، حيث يفقدون الثقة فى قدراتهم الشخصية كنتيجة للإخفاق الدراسى المتكرر مما يدفعهم إلى الاقتناع بعدم قدرتهم على

12 طريقة لإدخال المونتيسوري إلى منزلك


12 طريقة لإدخال المونتيسوري إلى منزلك

المؤلف: مارني
ترجمة:هناء أم مسلم
المقال الأصلي: من هنـــا

أحد أهم أسئلة  القراء هو : "كيف يمكنني ادخال المونتيسوري الى بيتي؟" وهذا سؤال رائع. إليكم هذا الخبر السعيد :يمكنك ادخال فلسفة المونتيسوري الى منزلك بطرق سهلة وغير مكلفة. وهذا المقال يحتوى على بعض هذه الطرق.
1.     اجعل الوجبات  الخفيفة متاحة بسهولة:
خصص درفة معينه أو رف لوضع الوجبات الخفيفة التي يستمتع بها طفلك. ادعوه لملء هذا الرف معك. شجعه على استعمال هذا المكان عندما يشعر أن جسده بحاجة لهذا. هل أنت قلق أنه سيأخذ أكثر من  اللازم؟ إذا حدث هذا ، اعطه وقتاً. السماح لطفلك التحكم في مواعيد أكله والتحكم في جسده هو شيء محترم وسوف يساعده على تطوير بعض المهارات مثل التنظيم الذاتي ومعرفة بعض الأساسيات حول التغذية.
2.     أنشئ بيتاً ملائمًا لحجم طفلك:
اجعل الحمام سهل الاستعمال بالنسبة لطفلك ؛باستعمال الأدوات المناسبة لذلك مثل امتداد لمفتاح النور، وسلم صغير

7 أخطاء دمرت تعليمنا المنزلي

7 أخطاء دمرت تعليمنا المنزلي!
(لا ترتكبوا تلك الأخطاء)

بقلم: جيل
رابط المقال الأصلي: هنا.
ترجمة: سمية طه
كان يا ما كان وفي ذلك الزمان أرادت تلك الأم أن تعلم أبناءها منزلياً. أجرت الأم بحوثاً متعمقة وقامت بشراء المناهج الدراسية المهمة قبل بداية العام الأول من التعليم المنزلي. كانت واثقة من أن متعة التعلم سوف تغمر أطفالها. آه! كان عليك أن ترى تلك الغرفة الرائعة المعدة للتعليم وتلك الأدوات التي ظنت أنها ستساعدها في تلك المغامرة المهيبة للتعليم المنزلي.
بعد مرور الشهر الأول كانت الأم في غاية الحزن, و أرادت الاستسلام, لم يكن الأمر ممتعاً بالدرجة التي تصورتها. كانت الدموع تنهمر يومياً منها ومن أطفالها حتى بللت تلك الغرفة المدرسية الجميلة التي بذلت فيها المجهود الكبير في الصيف الماضي.
هل هذه قصة مألوفة لكم؟
نعم, هذا ما حدث لي قبل عشرة أعوام!
السبب الوحيد لعدم الاستسلام هو أن زوجي لم يتخل عني بل أصر على عدم إرسال الأبناء إلى أتوبيس المدرسة الأصفر اللون في صباح اليوم التالي. والآن حين أتذكر تلك الأيام فكم كنت أتمنى لو أن أحداً حذرني من ارتكاب بعض الأخطاء القليلة التي كانت لتحدث فرقاً كبيراً في تعليمنا المنزلي إذا ما تجنبناها. لقد كنت مذنبة حينما ارتكبت تلك الأخطاء.
7 طرق تدمر بها تعليمك المنزلي  
_ الخطأ الأول : أن تطالب طفلك بالبقاء في مستوى صفه المدرسي. كان هذا هو الخطأ الأكبر الذي ارتكبته طيلة سنوات التعليم المنزلي. 

الثلاثاء، 27 يناير 2015

ما الذي تفعله الأنظمة التعليمية الجيّدة بشكل صحيح؟

ما الذي تفعله الأنظمة التعليمية الجيّدة بشكل صحيح؟
إيمي س.تشوي
ترجمة : رحاب علي
المقال الأصلي : من هنا
في كوريا الجنوبية وفنلندا لا يتعلّق الأمر بالعثور على المدرسة "الصحيحة".
قبل خمسين عامًا من الآن كانت كلٌ من كوريا الجنوبية وفنلندا يملكان نُظمًا تعليمية سيئة جدًا. وكانت فنلندا في خطر أن تُصبح الربيبة الإقتصادية لأوروبا، وكانت الحرب الأهلية قد عصفت بكوريا الجنوبيّة. وبعد مرور نصف القرن الماضي تحوّلت مدارس كلٌ من كوريا الجنوبيّة وفنلندا، ويُشاد اليوم لكلا البلدين على الصعيد الدولي لتحقيقهما نتائج تعليمية عالية للغاية. ما الذي يمكن للبلدان الأخرى تعلّمه من هذين النموذجين التعليميين الناجحين رغم أنهما متناقضتان تمامًا؟ نجدُ هنا لمحة عامة عمّا كانت كلٌ من كوريا الجنوبيّة وفنلندنا يفعلانه بشكل صحيح.
النموذج الكوري: الصلابة، والعمل الشاق.
لآلاف السنين، في بعض أجزاء من آسيا كانت الطريقة الوحيدة لتسلّق السلّم الاجتماعي والاقتصادي وإيجاد عملٍ آمن تحدث عبر تأدية فحص - المسؤول عن النظام فيه هو وكيلٌ للإمبراطور- ويقول مارك تارك الرئيس والمدير التنفيذي للمركز القومي للتعليم والإقتصاد: تلك الامتحانات المطلوبة شاملة للمعارف جميعها، وتأديتها بمثابة طقوس قاسية للنجاح. واليوم تجد أن كثيرًا من الدول الكونفوشيوسية مازالت تحترم هذا النوع من التحصيل العلمي المعزز بثقافة الإمتحان.
حققّ الكورويون إنجازًا إستثنائيًا: فجميع سكان هذه الدولة يجيدون القراءة والكتابة بنسبة 100%. ولكن النجّاح لا يأتي إلا بثمن.
من بين هذه البلدان تقفُ كوريا الجنوبية بعيدًا كأكثرها تطرفًا، ويمكن القول كأكثرها نجاحًا. حققّ الكوريون هذا الإنجاز الإستثنائي: : فجميع سكان هذه الدولة يجيدون القراءة والكتابة بنسبة 100%. ويتواجدون في طليعة اختبارات المقارنة الدولية للإنجازات بما في ذلك اختبارات التفكير النقدي والتحليل. لكنّ هذا النجاح لا يأتي دون ثمن، فالطلاب تحت ضغط هائل، والضغط دون هوادة للإنجاز دون أيّ اعتبار للمواهب، لأنّ الثقافة تؤمن بالعمل الجاد والإجتهاد قبل كلّ شيء، وبأنّه لا عذر للفشل. ويدرس الأطفال على مدار السنة في المدرسة ومع المدرسين الخصوصين أيضًا. حيثُ يمكنك أن تُصبح ذكيًا بما يكفي إذا درست بشكل جاد بما يكفي.


نساء كوريا الجنوبية وهنّ يصليّن لنجاح أبنائهنّ في الإمتحان السنوي للقبول في الكليّة. الصورة بواسطة تشونغ سونغ يون/ ثنك ستوك.
"يعتقد الكوريون من الأساس أنّ على المرء أن يمرّ بهذه الفترة الصعبة ليكون له مستقبلٌ عظيم". بحسب قول أندرياس شلايشر مدير التعليم والمهارات في البرنامج الدولي لتقييم الطلبة (PISA) ومستشار خاصّ في سياسة التعليم في منظمة التعاون والتنمية (OECD).
وأضاف "إنّها مسألة التعاسة على المدى القصير والسعادة على المدى الطويل". فالأمر لا يتعلّق بمجرّد ضغط الأباء على أبنائهم، لأنّ هذه الثقافة التقليدية تحتفي بالإمتثال والنظام، والضغط من قبل الطلاب الآخرين يمكن أيضًا أن يزيد من توقعات الأداء.
هذا السلوك المُجتمعيّ يعبرّ عن نفسه حتى في التعليم في مرحلة الطفولة المُبكرة، بحسب قول جو توبين أستاذ التربية في مرحلة الطفولة المبكرة في جامعة جورجيا والمختصّ في البحوث الدولية المقارنة.
في كوريا كما في غيرها من البلدان الآسيوية، أحجام الفصول كبيرةٌ جدًا، والذي قد لا يكون أمرًا مرغوبًا فيه بالنسبة لوالدين أمريكيين على سبيل المثال، ولكن في كوريا الهدف يتمثل في قيادة المعلم للفصل كمجتمع بالإضافة إلى تنمية العلاقات النديّة.
بينما في مدارس رياض الأطفال الأمريكية، يركّز المعلمون على تطوير علاقات فرديّة مع الطلاب، بالإضافة إلى التدخل بشكل منتظم في العلاقات بين الأقران.

"أعتقد أنه من الواضح أن هنالك طرقًا أفضل لتعليم أبنائنا وطرقًا اسوأ"
هذا ما تقوله أماندا ريبلي، مؤلفة كتاب "أذكى أطفال في العالم: وكيف أصبحوا كذلك". وتُكمل :في الوقت نفسه إن كنت مضطرة للإختيار بين معدل التعليم في الولايات المتحدة الأمريكية وبين معدل التعليم الكوري لطفلي، لاخترت على مضض النموذج الكوريّ. الحقيقة هي أنّه في عالمنا الحديث على الطفل أن يعرف كيف يتعلّم، وكيف يعمل بشكل جادّ وكيف يستمر بعد الفشل. وهذا هو ما يعلّمه النموذج الكوريّ.

النموذج الفنلندي: الاختيار اللامنهجي، والدوافع الذاتية.
في فنلندا من ناحية أخرى، يتعلّم الطلاب فوائد كلٍ من الصرامة والمرونة. يقول المربون أن النموذج الفنلندي هو يوتوبي "مثالي".
فنلندا لديها يوم دراسيّ قصير وغنيّ باللامنهجيّة الّتي ترعاها المدرسة، لأنّ الفنلنديين يعتقدون أن التعلّم الأهمّ يحدث خارج الفصول الدراسية.
في فنلندا، المدرسة هي مركز المجتمع، كما تُلاحظ شلايشر. ولا تقدّم المدرسة الخدمات التعليمية فقط بل تقدم خدمات اجتماعية أيضًا، فالتعليم يتعلّق بخلق الهوية.
تقدّر الثقافة الفنلندية الدوافع الذاتية والسعي وراء المصلحة الشخصيّة. فاليوم الدراسي قصيرٌ نسبيًا وغنيّ باللامنهجيّة الّتي ترعاها المدرسة، لأنّ الفنلنديين يعتقدون تأثرًا بثقافتهم أنّ التعلم الأهم يحدث خارج الفصول الدراسية.
(هل يوجد إستثناء؟ الرياضة. والّتي لا ترعاها المدارس بل ترعاها المدن.)
ثُلث الفصول الّتي يدرسها الطلاب في المدرسة الثانويّة هي اختيارية، ويمكنهم أيضًا اختيار الامتحانات التي يريدون تأديتها لشهادة الثانوية العامة. إنّها ثقافة ذات ضغوط أقلّ، وتقدّر مجموعة واسعة من خبرات التعلّم.
ولكن هذا لا يستثنيها من الصرامة الأكاديمية، مدفوعةً بتاريخ البلاد المُحاصرة بين القوى العظمى الأوروبية، هذا ما تقوله باسي سالبرج المربية الفنلندية ومؤلفة كتاب "الدروس الفنلندية: ما الذي يمكن للعالم أن يتعلمه من التغيير التربوي في فنلندا".
المعلمون في فنلندا يدرسون لمدة 600 ساعة في السنة، ويقضون بقيّة الوقت في التطوير المهنيّ. بينما في الولايات المتحدة الأمريكية يكون المعلمون في الفصول لمدة 1100 ساعة في السنة مع القليل من الوقت لأجل الوقوف على الأراء وردود الفعل.
" ومفتاح ذلك هو التعليم. لا وجود للفنلنديين في الواقع خارج فنلندا" ويقول سالبرج "هذا يدفع الناس إلى اتخاذ التعليم بجدية أكثر.
على سبيل المثال لا أحد يتحدث هذه اللغة المُضحكة التي نتحدث بها، فنلندا مزدوجة اللغة حيث يتعلم كلّ طالب كلًا من الفنلندية والسويدية. كلّ فنلندي يريد أن يكون ناجحًا يجب عليه أن يتقن لغةً أخرى واحدة على الأقلّ، وغالبًا ما تكون اللغة الإنجليزية، لكن عادةً أيضًا قد يتعلم الآخرون اللغة الألمانية والفرنسية والروسية ولغات أخرى عديدة. حتى الأطفال الصغار يفهمون أنه لا أحد آخر يتحدث اللغة الفنلندية، وأنّهم إن كانوا يريدون فعل أيّ شيء آخر في الحياة فسيحتاجون لتعلم اللغات الأخرى.
الأطفال في جوقة المدرسة الفنلندية وهم يؤدون أغنية بعنون "الوقت هو الآن" في يوم العمل لأجل المناخ. الصورة بواسطة آبو لاسي كانكالا - فليكر.
الفنلنديون يتشاركون في شيئ واحد مع الكوريين الجنوبيين: وهو الاحترام العميق للمعلمين والإنجازات الأكاديمية.
في فنلندا يُقبل واحد فقط من كل عشرة يتقدمون لبرامج التعليم. بعد الإغلاق الشامل ل80 في المئة من كليات المعلمين في عام 1970 ظلّت أفضل برامج التدريب فقط في الجامعات، وارتفعت مكانة المُعلمين في هذا البلد.
المعلمون في فنلندا يدرّسون لمدة 600 ساعة في السنة، ويقضون بقيّة الوقت في التطوير المهنيّ، والاجتماع مع الزملاء والطلاب والعائلات. بينما في الولايات المتحدة الأمريكية يكون المعلمون في الفصول لمدة 1100 ساعة في السنة مع القليل من الوقت لأجل التعاون والوقوف على الأراء وردود الفعل والتطوير المهني.
كيف يمكن للأمريكيين تغيير ثقافة التعليم؟
كما أشار المتحدث في تيد السير كين روبنسون في كتابه الحديث الذي نُشر في عام 2013 بعنوان (كيفية النجاة من الموت المحقق للتعليم) حين يتعلق الأمر بمشاكل التعليم الأمريكية الحالية "فأزمة التسرب من التعليم هي مجرد غيض من فيض. ما لا يُحسب حسابه هم الأطفال الذين في المدرسة وينفصلون عنها، الذين لا يتمتعون بها ولا يحصلون على أي فائدة حقيقية منها" وهو مالا يجب أن تكون عليه الحال.
بحسب مُلاحظة أماندا ريبلي "الثقافة هي الشيء الذي يتغيّر، إنّها أكثر ليونة مما نعتقد. الثقافة هي مثل ذلك الأثير الذي تحوم حوله أنواع متعددة من الأشياء، بعضها يتم تنشيطها وبعضها كامن، ويتم تنشيط تلك الأشياء لضرورة اقتصادية أو لتغيّر في القيادة أو لحادث من التاريخ" والخبر السارّ تعبر عنه ريبلي: "نحن الأمريكيون نملك الكثير من الأشياء في ثقافتنا من شأنها أن تدعم نظامًا تعليميًا قويًا جدًا.، مثل الخطاب الذي طال أمده حول المساواة في الفرص والجدارة القوية والمشروعة" .
هنالك سبب واحد لكوننا لم نحرز أي تقدم أكاديمي كبير على مدى السنوات ال50 الماضية وهو أن ذلك لم يكن محسومًا اقتصاديًا للأطفال الأمريكيين أن يتقنوا حل المشاكل والتفكير النقدي من أجل البقاء على قيد الحياة.
ولكنّ هذا لم يعد صحيحًا بعد الآن. " هنالك تأخر لدى الثقافات في اللحاق بركب الحقائق الاقتصادية، والآن نحنُ نعيش في هذا التأخر" وتقول ريبلي: "وهكذا نجد أن أطفالنا لا يكبرون مع هذا النوع من المهارات ليخوضوا في الاقتصاد العالمي".
An American classroom ca. 1899: students studying the landing of the Pilgrims at Plymouth, Mass. Photo via The Library of Congress. http://www.loc.gov/pictures/item/2004668395/resource/
أحد الفصول الدراسية الأمريكية في كاليفورنيا عام 1899: الطلاب وهم يدرسون كيف ترسو سفن الحجاج في بليموث ، ماساشوستس. صور من مكتبة الكونغرس.
"نحنُ سجناء صُور وتجارب التعليم الّتي نملكها" حسب قول توني واغنر، خبير مقيم في جامعة هارفارد بمركز الابتكار التعليمي ومؤلف كتاب (فجوة الإنجاز العالمية) "نريد لمدارس أطفالنا أن تعكس خبراتنا، أو ما نظنّ أننا أردناه. وهذا يحدّ بشدة من قدرتنا على التفكير بشكل خلاق فيما يتعلق بنوع مختلف من التعليم. ولكن ليس هناك طريقة للتغيير. نحن بحاجة إلى إصلاح جذري".
في الواقع، تضع الثقافة الأمريكية اليوم مسؤولية الاختيار على عاتق الأباء للعثور على المدارس "الصحيحة" لأطفالنا، بدلًا من الثقة في أن جميع المدارس قادرة على إعداد أطفالنا لمرحلة البلوغ. هوسنا بالموهبة يضع العبء على الطلاب ليكونوا "أذكياء" بدلًا من التركيز على قدرة الكبار على تعليمهم، والنظام القديم لدينا لتمويل المدارس يجعل قيمة العقارات هي الحكم في الإنفاق على الطالب الواحد، وليس القيم الفعلية.
لكن ما الذي ستبدو عليه ثقافة التعليم الأمريكية في الغد؟ في معظم ثقافات التعليم الأكثر نجاحًا في العالم النظام هو المسؤول عن نجاح الطالب، ويقول شلايشر وليس فقط الوالد أو الطالب أو المعلم. فالثقافة تخلق النظام. والأمل يكمن في أن الأمريكيين يمكنهم أن يجدوا الثغرة والميل لتغيير ثقافتهم بالاعتماد على أحد الوالدين، والطالب والمعلم في وقت واحد.